فخر الدين الرازي

114

النبوات وما يتعلق بها

الاحتمال الخامس : أن نقول : اتفقت الفلاسفة على أن للأجرام الفلكية ، والاتصالات الكوكبية تأثيرات مخصوصة في أحوال هذا العالم وقد اشتهر في السنة « 38 » المنجمين : أن للكواكب الثابتة عطايا عظيمة في السعادة والنحوسة ( 1 ) ، والذكاء والبلادة . واتفقوا أيضا على أن للقرانات آثارا عظيمة في هذا الباب . واتفقوا على أنه لا تختلف أحوال تلك القرانات ( الا ) « 39 » بسبب وقوع الثوابت في البيوت المناسبة لها . واتفقوا على أن لسهم السعادة تأثيرا في اعطاء السعادات ولسهم الغيب تأثيرا قويا في اعطاء ( المعارف الحقة والوقوف على المغيبات ) « 40 » وعلماء الأحكام من الزمان الأقدم إلى عهدنا هذا ، مصرون على صحة هذه الدعاوى ، وجازمون بأن كل من جرب أحوال الطوالع ، علم يقينا أن لهذه الأسباب آثارا قوية في هذا الباب . إذا عرفت هذا فنقول : نحن لا ندعى صحة هذه الأصول ، ولا ندعى « 41 » أنها معلومة أو مظنونة ، بل نقول : لا أقل من أن يكون الأمر على ما قالوه قائما . وبتقدير أن تصح كل هذه الأشياء أو بعضها . فإنه لا يمتنع أن يكون اختصاص مدعى النبوة والرسالة بهذه المعجزات ، انما كان لأجل اشتمال طالع مولده على حالة من هذه الأحوال . فلعله وقع سهم السعادة وقوعا عجيبا ، يقتضي حصول هذه السعادات . ولعله وقع سهم الغيب في طالعه وقوعا يقتضي قدرته على الاخبار عن الغيوب . وأنا أقول : انى قد رأيت انسانا لم يتفق في طالع مولده شيء من الأشياء الكاملة ، الا أنه كانت « الشعرى اليمانية » واقعة على درجة تاسعة . فلا جرم بلغ في العلوم النقلية والعقلية مبلغا عاليا ، من غير حاجة إلى تحمل تعب في المطالعة والتحصيل . وإذا ثبت ان هذا الاحتمال قائم ، ظهر انه لا سبيل البتة إلى القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على الأنبياء : من فعل اللّه تعالى .

--> ( 38 ) الألسنة ( ل ) ، ( طا ) . ( 39 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 40 ) سقط ( ت ) والخفية ( ط ) . ( 41 ) ولا ادعى انتهاءها إلى العلم والظن ، ولا أقل من يكون احتمال الامر . . . الخ ( ت ) .